السيد عبد الله الجزائري
169
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية
أحدها وهو مما ينفع في رفع المانع أيضا التأمل في ذم البخيل ومدح السخي عند أولى الألباب وأصحاب العقول الرزينة وما ورد فيهما في الكتاب والسنة مما ذكر وغيره قال اللَّه تعالى لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ . وفي الحديث السخاء شجرة تنبت في الجنة فلا يلج الجنة الا سخي والبخل شجرة تنبت في النار فلا يلج النار الا بخيل . والتأمل في أحوال الأنبياء والأولياء من حيث اتصافهم بالسخاء وتنزههم عن البخل مع قلة ذات يدهم وضيق معاشهم أو من حيث التوسط في النفقة أو القناعة فيها إيثارا للسخاء أو إسباغا فيه واختيار التشبه بهم لا بالمتنعمين البخلاء من الكفار والحمقى فإنهم أهل التنعم الدنيوي غالبا كما هو المشاهد وثانيها التسخى بان يكره نفسه على البذل ومفارقة المال تكلفا بل لو رماه في الماء كان أولى به من وجه من إمساكه مع الحب له ومن لطائف الحيل فيه خداع النفس بالصيت وحسن الاسم والاشتهار بالسخاء وتوقع المكافاة بالمدح وغيره فيبذل على قصد الرئاء حتى تسامح نفسه بالبذل طمعا في حشمة الجود فيكون قد أزال عن نفسه خبث البخل واكتسب خبث الرئاء ثم إزالة الرئاء بعد الاعتياد بالجود بما يأتي في باب الإخلاص ويكون طلب الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال كما قد يسلي الصبي عند العظام عن الثدي باللعب بالعصافير لا ليخلى واللعب ولكن لينتقل عن الثدي إليه ثم ينقل عنه إلى غيره فكذلك هذه الصفات الخبيثة ينبغي ان يسلط بعضها على بعض ويدفع بعضها ببعض ومثاله ما يقال إن الميت يستحيل جميع اجزائه دودا ثم يأكل بعض الديدان بعضا حتى يقل عددها وتكبر الباقيات ثم يأكل بعضها البعض حتى ترجع إلى اثنين قويين عظيمين ثم لا يزالان يتقابلان إلى أن يغلب أحدهما الآخر فيأكله ويسمن به ثم لا يزال يبقى وحده جائعا إلى أن يموت وثالثها كثرة ذكر الموت فإنه مما يقصر الأمل ويوحش عن الدنيا والاعتبار بالسالفين وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم وعدم انتفاع أولادهم به خصوصا إذا كانوا من أقرانه وأوليائه فإنه أنجع ومن الحيل في تذكر الموت زيارة القبور سيما من الأحباب وهذه كما تميت البخل وتحرك إلى السخاء كذلك تميت الحرص وتحرك إلى عز القناعة والأصل فيه الصبر لتتوقف النفس عن شهواتها وقصر الأمل لأن في تطويله تكثيرا للاحتمالات المفقرة الداعية إلى البخل وكلما قصر قلت والعلم بآفات المال الدينية والدنيوية وهي زيادة